لماذا لم يسألو ايفانز؟

تعرف أجاثا كريستى في كل أنحاء العالم باسم "ملكة الغموض"، ولقد حققت مبيعات كتبها ما يربو
علي مليار نسخة باللغة الانجليزية،اضافة الي مليار نسخة أخري ترجمت الي مائة لغة أجنبية ، وهى تعدأكثر كاتبة نشرت لها كتب علي مر العصور علي مستوى كل اللغات ، ولم يفقها في المبيعات الا كتب شكسبير ، وقد قامت بتأليف ثمانين كتابا ، ما بين روايات ومجموعات من القصص القصيرة في الجريمة ، كما قامت بتأليف تسع عشرة مسرحية ، وست روايات تحت اسم ماري ويستماكوت.
ولقد كتبت أجاثا كريستى روايتها الأولي "القضية الغامضة في مدينة ستايلز " قرب نهاية الحرب العالمية الأولي ، والتى كانت تعمل خلالها ممرضة في الجيش ، وقد قامت في هذه الرواية بابتكار شخصية هيركيول بوارو ، ذلك المحقق البلجيكى ضئيل الجسم الذي صار أشهر محقق في روايات الجرائم بعد شيرلوك هولمز ، وقد نشرت الرواية أخيرا بواسطة دار نشر Bodley Head في عام 1920


الي كريستوفر مالوك،
في زكري هندس

الفصل 1
الحادث


وضع بوبي جونز كرة الجولف فوق كومة الرمل، وهز يديه بحركة تحضيرية قصيرة ، ثم أمسك المضرب مجددا ببطء ، وطوحه الي أسفل بطول زراعيه بمنتهى القوة وبسرعة البرق .
لكن هل طارت الكرة وارتفعت في خط مستقيم فوق الممر ، وظلت ترتفع الي أعلي وهي تنطلق بقوة ، عابرة المنطقة الرملية لتهبط علي مسافة قريبة من الحفرة الخضراء رقم 14؟
كلا لم تفعل الكرة أيا من ذلك ، بل تدحرجت بقوة الضربة السيئة التى نالتها واندفعت علي طول الممر حتى سقطت ووقفت بثبات داخل المنطقة الرملية !
لم يكن هناك حشد من المتفرجين المتحمسين لتنطلق من أفواههم صيحات الاستهجان وخيبة الامل ، ولم يظهر علي ملامح وجه المشاهد الوحيد للمباراة أية أمارات للدهشة .
ويمكن تبرير هذا الأمر بمنتهى السهولة ؛ حيث ان الضارب لم يكن لاعب جولف شهيرا ، وانما كان الابن الرابع لراعى دار عبادة ماركبولت _ وهي بلدة ساحلية صغيرة تقع بالقرب من ساحل ويلز.
أطلق بوبى صيحة تحمل كل معانى الغضب والانزعاج.
كان بوبي شابا لطيف الملامح ، يبلغ من العمر ثمانية وعشرين عاما ، ولم يكن بمقدور أفضل أصدقائه أن يصفه بالشاب وسيم الملامح، ولكنه كان يمتلك وجها مريحا ومحببا، وكانت عيناه البنيتين تظهران الود والصراحة ، والاخلاص.
قال بوبي بضجر: "ان مستواى يسوء يوما بعد يوم".
قال رفيقه :"أنت تضغط علي نفسك كثيرا ".
كان الدكتور توماس رجلا في منتصف العمر ، له شعر رمادى ووجه مبتهج أحمر اللون . لم يكن من عادة الدكتور توماس أن يطوح مضربه بمنتهي القوة ، وانما كان يضرب الكرة بضربات قصيرة مستقيمة في المنتصف ، وعادة ما كان يتغلب علي لاعبين أكثر منه براعة ولكن أقل تنظيما.
ضرب بوبى الكرة بقوة مستخدما المضرب الخشبي ، وكان النجاح حليفه في الضربة الثالثة ، فتوقفت علي مسافة قريبة من المنطقة العشبية التى أوصل الدكتور توماس كرته اليها بضربتين فقط من مضربه الحديدي .
قال بوبي :" هذه الحفرة من نصيبك بالتأكيد".
ثم انطلقا الي الحفرة التالية.
ضرب الطبيب كرته أولا _ وكانت ضربة جيدة ومستقيمة، ولكنها لم تكن بالقوة الكافية لتعبر مسافة كبيرة .
تنهد بوبي ، ووضع كرته فوق كومة الرمل وعدل من وضعها، وطوح مضربه في الهواء لعدة مرات ، وسحب المضرب الي الوراء بشدة، وأغلق عينيه، ورفع رأسه، وخفض كتفه الأيمن ، وفعل كل الأشياء التى لا يجب فعلها _ ثم ضرب الكرة بقوة لتنطلق بسرعة رهيبة فوق منتصف الممر.
أطلق بوبي زفرة عميقة تحمل كل معانى الارتياح والرضا، وانزاح ذلك العبوس الشهير الذي يميز لاعبي الجولف من وجهه ليحل محله تعبير الجزل والبهجة الذي لا يغيب عن وجوه لاعبي الجولف عند احراز النصر .
قال بوبي _ بلهجة كاذبة :" لقد عرفت الآن ماذا كنت أفعل من قبل ".
ضرب بوبي الكرة بمضربه الحديدي ضربة مثاليه ، ثم استعمل المضرب الخشبي لضربة خفيفة، وسرعان ما وضع الكرة في الحفرة . وصل بوبي الي احراز أربع ضربات تحت المعدل وصار الطبيب توماس متقدما عليه بضربة واحدة .
تقدم بوبي الي الحفرة رقم 16 وقد المتلأ بالثقة بنفسه، ومجددا فعل كل الأشياء التى لا يجب أن يفعلها ، لكن لم تحدث أي معجزات هذه المرة؛ فما حدث هو ان الكرة انطلقت بشكل اعجازى خارق وبزاوية مستقمة تماما ولكن الي الناحية العكسية.
قال الدكتور توماس:" لو أنها كانت ضربة مستقيمة الي الأمام .... لكانت معجزة".
قال بوبي بمرارة :": ولو أنها كانت كذلك.... عجبا، أظن أننى سمعت صوت صرخة !أتمنى ألا تكون الكرة قد ارتطمت برأس أحدهم ".
حدق بوبي النظر الي اليمين ، لكن كان الضوء خافتا والرؤية شبه منعدمة ؛ حيث كانت الشمس تكاد تصل الي نقطة الغروب، وكان النظر باتجاهها يصعب رؤية الأشياء البعيدة ،علاوة علي وجود ضباب خفيف ينبعث من البحر، وكانت حافة الجرف علي بعد عدة مئات من الياردات.
قال بوبي :" ان خط سير الكرة يمتد بهذا الاتجاه، لكن من المستحيل أن تكون الكرة قد عبرت كل هذه المسافة، علي أي حال ، أظن بالفعل أنى سمعت صرخة _ هل سمعتها أنت ؟".
لكن الطبيب لم يكن قد سمع شيئا.
انطلق بوبي باحثا عن كرته ، ووجد بعض الصعوبة في العثور عليها ، لكنه وجدها أخيرا مغروسة في الأرض . لقد كان من المستحيل عمليا ضرب الكرة ، حيث انها تختفي تماما خلف أجمة من الشجيرات . حاول بوبي ضرب الكرة مرة أو مرتين دون نجاح ، ثم التقطها بيده ونادى علي رفيقه ليعلمه بأنه قد خسر تلك الحفرة .
تحرك الطبيب اتجاهه؛ حيث كانت الحفرة التالية عند حافة الجرف تماما. كانت الحفرة رقم17 تمثل مصدر خوف دائم بالنسبو لبوبى؛ حيث كانت تتطلب اطلاق الكرة بقوة لتعبر فوق هوة الجرف ، ورغم أن المسافة لم تكن كبيرة للغاية فقد كانت جاذبية عمق الهوة شديدة للغاية .

كان الرجلان قد عبرا ممر المشاة الذي صار الأن يمتد الي الداخل عن يسارهما،محاذيا حافة الجرف تماما.
أمكسك الدكتور بمضربه الحديدي وضرب الكرة بقوة كانت كافية لايصالها الي الناحية الاخري .
أما بوبي فقد التقط نفسا عميقا ثم طوح بالمضرب.
فتدحرجت الكرة الي الأمام ثم اختفت عند وصولها الي حافة الجرف.
قال بوبي بمرارة:"انني أؤدى هذي الضربة الغبية في كل مرة أصل فيها الي هذه الحفرة اللعينة".
طاف بوبي حول حافة الجرف، وهو يحدق النظر الي أسفل.
كانت مياه البحر تلمع أسفل الجرف ، لكن لم تكن كل الكرات تضيع في أعماقه.كانت زاوية الهبوط شديدة الانحدار عند القمة ،لكنها كانت أقل انحدارا كلما اتجهت الي الاسفل.
سار بوبي ببطأ فوق حافة الجرف ، وكان يعلم أن هناك موضعا واحدا يمكنه الهبوط منه الي أسفل بسهولة كبيرة, وهذا هو ماكان يفعله المساعدون الصغار الذين عادة ما كانوا ينطلقون الي أسفل الحافة بسرعة ثم يعودون وهم يلهثون وفي يدهم الكرة المفقودة.
تسمر بوبي في مكانه فجأة ،ونادى علي رفيقه:
"تعال الي هنا ايها الطبيب . ما الذي تظن بأنه موجود هناك بالأسفل؟".
فعلي بعد أربعين قدما بالأسفل ، كانت هناك كومة داكنة من شئ أشبه بالملابس القديمة.
التقط الطبيب أنفاسه وقال :
"يا الهي! لقد سقط أحدهم من فوق الجرف _ يجب أن نصل اليه".
وجنبا الي جنب، هبط الرجلان المنحدر الصخري ، وكان بوبي ، الأكثر لياقة ، يساعد رفيقه علي الهبوط. وأخيرا وصلا الي الكومة المظلمة المجهولة المعالم والتى لم تكن سوى جسد رجل في الأربعين من العمر. كان الرجل ما يزال يتنفس، ولكنه كان فاقدا الوعي.
بدأ الطبيب في فحص الرجل، فأمسك أطرافه وتحسس نبضه، ورفع جفنيه الي أعلي ، ثم انحنى الي جوار الرجل وأكمل الفحص. وأخيرا رفع الطبيب عينيه علي بوبي الذي كان يقف مكانه شاعرا بالغثيان ويهز رأسه ببطء.
قال الطبيب :"لا يوجد ما يمكن عمله من أجله، ان ذلك المسكين في لحظاته الأخيرة ؛ فقد انكسر ظهره . حسنا ، أعتقد أنه لا يعرف المنطقة جيدا، ولعله سار الي الحافة عندما هبط الضباب . لقد أخبرت مجلس البلدية بضرورة وضع حاجز عند تلك الحافة".
ثم وقف الطبيب مجددا وقال :
"سوف أنطلق لطلب المساعدة وعمل الترتيبات لنقل الجثة الي أعلي ، فسوف يعم الظلام قبل أن نعلاف أين نقف باضبط. هلا بقيت هنا حتي أعود؟".
أومأ بوبي برأسه موافقا.
ثم قال متسائلا : " لا أظن أن هناك ما يمكن عمله من أجله ، أليس كذلك؟".
هز الطبيب رأسه وقال :
"بلي . لن يستغرق الامر طويلا _ ان نبضه يضعف بقوة ، ولا أظن أنه سيصمد أكثر من عشرين دقيقة علي أقصي تقدير. من الممكن أن يسترد وعيه قبل النهاية بقليل ؛ لكن من المرجح ألا يحدث ذلك ، ومع ذلك ...".
قال بوبي بسرعة :" من الافضل أن أبقي هنا علي أي حال . انطلق أنت الأن ". سكت بوبي للحظة ثم أضاف بتردد :" اذا استرد وعيه، الا يوجد اي عقار أو مسكن...".
هز الطبيب رأسه نافيا وقال :
" لن يحس بأي ألم.... لن يحس بأي ألم علي الاطلاق ".
ثم استدار الطبيب و بدأ يتسلق المنحدر الصخري مجددا بسرعة ، وظل بوبي يتطلع اليه حتى اختفي وراء قمة الجرف وهو يلوح بيده.
تحرك بوبي خطوة أو خطوتين علي طول الجرف الصخري الضيق ، وجلس فوق نتوء صخري وأشعل احدى سجائره . كان مشهد ذلك الرجل قد أثار مشاعره ؛ فحتى تلك اللحظة لم يكن بوبي قد واجه المرض أو رأي الموت عن قرب.
يا له من حظ عاثر قد تعرض له ذلك الرجل ! غيمة من الضباب في ليلة مقمرة ، وموضع قدم خاطئ _ وحياة تصل الي نهايتها . كان الرجل يبدو في موفور الصحة والعافية _ ىولعله لم يعرف المرض يوما في حياته ؛ فلم يتمكن شحوب الموت من اخفاء سمرة بشرته . لعله كان رجلا عاش حياة منطلقة_ ربما بالخارج _بعيدا عن الجو البارد بالمنطقة . تفرس بوبي في ملامح الرجل عن قرب _ كان للرجل شعر كستنائي متموج يختلط بشعرات رمادية قليلة عند صدغيه ،وأنف ضخم وفك قوى وأسنان بيضاء تظهر خلف شفتيه المفتوحتين ، وكتفانعريضتان ويدان قويتان. كانت قدما الرجل ملتويتين بزاوية تثير الفضول ، لكن بوبي رفع عيناه مجددا الي وجه الرجل _ ذلك الوجه الوسيم ، الذي بدت عليه أمارات خفة الظل والتصميم وسعة الحيلة . اما العينان ، فقد ظن بوبي بأنهما زرقاوان ...
وبينما وصل بوبي الي تلك النقطة في أفكاره ، انفتحت العينان فجأة . كانت العينين زرقاوين بالفعل _ زرقة عميقة وواضحة ، وقد تطلعتا الي بوبي مباشرة ، ولم يكن بهما أثر للدهشة أو غياب الوعي ، بل بدتا واعيتين للغاية ، كانت العينان تتطلعان الي بوبي ، وكأنهما تطرحان سؤالا .
وقف بوبي بسرعة وتحرك اتجاه الرجل ، لكن الاخير تحدث قبل أن يصل بوبي اليه ، ولم يكن صوته ضعيفا أو واهنا _ بل خرج قويا وواضحا .
قال الرجل : " لماذا لم يسألوا ايفانز ؟".
ثم اعترت ملامحه رجفة غريبة ، وسرعان ما ارتخت جفونه وسقط فكه ...
وفاضت روحه الي بارئها !
اتمنى لكم قراءة ممتعة




v,hdm (glh`h gl dshg, hdthk.?)lk v,hzu h[heh ;vdsjd